Tuesday, 17 September 2013

بندقية

هاك رجل يقصف قبر ابنه بالدموع ، بعد أن بناه بالرصاص

الطائش من رشاشه ، ها هو يستجدي الغفران بعد أن قلم الندم أظافره ، رجل هرم انتزع أحشاء ابنه ثم هضمها ثم أصابته التخمة ، فتقيأ و انكفأ على وجهه باحثا عن أشلاء عزاء ينتشله …

كان رجلا يسكن فمه السيجار الكوبي ، و لا ترحل عنه ابتسامة الاستهزاء ، بطنه كرة دائرية متقنة النفخ ، عيناه كهفان غائران تغطيهما نظارة سوداء ، أسنانه مطلية بالصفار ، مليئة بالنتوءات ، فمه ركام نفايات ، إفطاره خمس و عشرون ركلة ، و سيل من الرصاص ، و كل ثانية يزداد جوعه فيقضم من أي روح كانت ، الحياة معه نكهتها الظلم … متعته دائما و أبدا هي البطش .

شاب في السادسة و العشرين ، ينظر للحياة بعين متسائل ، يسأل و يجرب ، تحتويه الحيرة ، لم تبتلعه فجوة اللاجدوى بعد ، لم يكن قد أدركته شيبة الحزن بعد ، مقبل على حانة الواقع ، يشرب و لا يذهب عقله ، يتلذذ بالمرارة ، يتعلم ، يسقط ، ينهض ، ينهار ، و يبني نفسه ، يقرأ ، يكتب ، يسجل بصمته في الحياة ، لا يقف على الحياد ، يقود بأقصى سرعته و لا يهدأ حتى تتفرع الطرق ، يصمت برهة ثم يستعيد سرعته و ينطلق نحو عالم أوسع … إلى أن … إلى أن … ربت الموت على كتفه …

- ألا تخاف الموت ؟

(هكذا سأله صديق له مستنكرا منه فوضوية أحلامه و أدرينالينه المرتفع دائما )

- أنت كمن يقول لي هناك سيارة مسرعة ستقتلك لا محالة ، هديء من سرعتك لتربك ملاك الموت قليلا … أنا أرفض أن يقتلني الموت قبل أن تقتلني الحياة ، نحن أصلا نسكن في عالم من الأموت … 

أب و ابنه سقطا في هوة التناقض حتى أن قبض القدر قبضته عليهما ، فانتهيا معا … 

قسم شرطة ، مظاهرة صاخبة ، شباب جامح ، سلطة مكبِّلة ، أمر بإطلاق النار ، أسلحة تشتعل في حماس ، والد يصوب رشاشه في هستيرية لا مثيل لها ، و ابن يستقبل الرصاصة بصدر عار و ابتسامة بشوش .

بعد أن كان جليس بندقية ، أصبح جليس الندم …

(أماني محمد (أصداء مقطوفة

No comments:

Post a Comment